البداية الجديدة: ما بعد عاصفة المحكمة
بعد ذلك اليوم الحاسم في المحكمة، لم يكن انتصارنا مجرد فوز بقضية قانونية، بل كان شهادة ميلاد جديدة لنا. عاد الهدوء إلى بيتنا المتواضع، لكن نظرتنا للمستقبل تغيرت تمامًا. محمد لم يعد ذلك الطفل الخائف من الزحام، بل أصبح شابًا يثق في خطاه، يدرك تمامًا قيمته وقيمة الحب الذي أحاطه.
بمجرد استلامنا لمستحقات المشروع الأولى، كان قراري وقرار محمد واحدًا: نحن لا نريد تغيير هويتنا، بل نريد تغيير واقعنا وواقع من هم مثلنا. لم ننتقل إلى قصر فخم ينسينا ماضينا، بل اشترينا بيتًا هادئًا دافئًا، تملؤه الشمس، ويضم غرفة واسعة مجهزة بأحدث التقنيات ليرسم فيها محمد أحلامه الرقمية الجديدة.
مؤسسة "سعاد": تحويل الألم إلى أمل
عندما بلغ محمد الثامنة عشرة من عمره، فاجأني بمشروع جديد لم يكن يهدف منه للربح هذه المرة. نظر إليّ وقال وعيناه تلمعان بالبريق ذاته الذي رأيته فيه وهو يفكك الأجهزة القديمة:
"يا تيتا، لولا إنك تعبتِ واشتغلتي في البيوت عشان تعالجيني، كان زماني تايه في الدنيا. كام طفل زيي عنده موهبة بس أهله معندهمش الإمكانيات؟"
من هنا ولدت "مؤسسة سعاد لرعاية وتأهيل العباقرة التوحديين".
-
هدف المؤسسة: البحث عن الأطفال الذين يعانون من طيف التوحد ويمتلكون مهارات استثنائية في البرمجة، الرياضيات، أو الفنون.
-
الخدمات المقدمة: توفير الدعم الطبي والنفسي المتخصص مجانًا، وتأهيلهم تقنيًا ليكونوا قادة المستقبل.
-
الإدارة: أصر محمد أن أكون أنا المشرفة الروحية على المكان، لأمنح هؤلاء الأطفال نفس الحب والحنان الذي غمرته به طوال سنين كفاحي.
الاختبار الأخير: سقوط حنان
دارت الأيام دورتها، وبعد ثلاث سنوات من القضية، تناهى إلى علمنا أن حنان تمر بظروف مأساوية. زوجها الجديد، الذي كانت تظن أنه سندها، استولى على كل ثروتها وأملاكها بعد أن طلقها، وتركها غارقة في الديون تواجه شبح السجن والتشريد.
في مساء أحد الأيام، طرق باب بيتنا بتوتر. فتحت الباب لأجد أمامي امرأة مكسورة، منطفئة العينين، ترتدي ملابس بالية، لا تشبه أبدًا تلك السيدة المتكبرة التي نزلت من السيارة الفخمة قبل سنوات. بكت بحرقة وقالت بصوت يرتجف: "سامحيني يا أمي... سامحني يا محمد. أنا مليش غيركم في الدنيا، والديانة واقفين على الباب."
وقفتُ حائرة بين غريزة الأمومة التي توقظها رؤية ابنتي في هذا الذل، وبين مرارة الماضي. لكن محمد، الذي كان يتابع الموقف من بعيد، اقترب بكل هدوء. لم يصرخ، ولم يمتلئ وجهه بالشماتة، بل نظر إليها بنضج يتجاوز سنوات عمره الشابة.
أخلاق الكبار: قرار محمد
بصوت رصين، وجه محمد كلامه لحنان قائلاً:
"يا حنان... صلة الدم لا يمكن إنكارها، لكن المشاعر لا تُشترى بالندم المتأخر. أنا مش هسيبك تتسجني، ومش هسمح إن أمي الكبيرة تترجي في بنتها."
قام محمد بتكليف محاميه الخاص بتسوية جميع ديون حنان بالكامل، وشراء شقة صغيرة وبسيطة باسمها، مع تخصيص راتب شهري كافٍ يضمن لها حياة كريمة ومستورة. ولكنه وضع شرطًا واحدًا وواضحًا: المساعدة مادية فقط، ولا وجود لأي تواصل شخصي أو تدخل في حياتنا مجددًا.
نظرت حنان إليه والدموع تملأ عينيها، أدركت في تلك اللحظة أنها لم تخسر الملايين فقط، بل خسرت شرف الانتماء لقلب هذا الشاب العظيم الذي كان بإمكانها أن تفخر بكونها أمه.
المنصة العالمية: دموع الفخر
في عام 2026، وقف محمد على مسرح مؤتمر تكنولوجي عالمي في دبي ليتم تكريمه كواحد من أهم رواد الأعمال الشباب في الشرق الأوسط. كان يرتدي بدلة أنيقة، وبجانبه شاشات ضخمة تعرض قصة نجاحه وبرامجه التي تخدم الملايين حول العالم.
وقبل أن ينهي كلمته أمام آلاف الحاضرين وملايين المتابعين خلف الشاشات، أشار إليّ وأنا أجلس في الصف الأول أرتدي جلبابي البسيط الذي أصررت على حضور التكريم به، وقال بصوت يملؤه الفخر والاهتزاز:
"كل كود كتبته في حياتي، وكل نجاح وصلت له النهاردة، بدأ من إيدين الست دي. إيدين اشتغلت وتعبت وغسلت هدوم الناس عشان تشتريلي كمبيوتر مستعمل وجلسة تخاطب. ثروتي الحقيقية واقفة قدامكم... شكرًا يا أمي، وشكرًا يا جدتي."
ضجت القاعة بالتصفيق الحار، ووقفت الدموع في عيني وأنا أرى طفلي الذي كان يخاف الضوضاء، يقف اليوم بطلًا تصفق له الدنيا بأكملها. انحنيت شاكرة الله على أنني لم أتخلّ عنه يومًا، وعلى أن تعب السنين لم يذهب هباءً، بل أثمر أغلى ثروة في الوجود.