كان منزل الحاجة زينب مزدحمًا منذ وقت مبكر.
الخالات والعمات جلسن في الصالة ينتظرن وصول نادية، وكل واحدة منهن كانت تتوقع أن تدخل منكسرة لتعتذر أمام الجميع.
جلست الحاجة زينب في صدر المجلس، تمسك مسبحتها، بينما كانت نظراتها تتجه إلى باب الشقة كل لحظة.
وما إن رن الجرس حتى عمّ الصمت.
دخل مصطفى أولًا، وقد بدا عليه الارتباك، ثم دخلت نادية بخطوات ثابتة، مرتدية عباية أنيقة، تحمل علبة شوكولاتة في يدها، وعلى وجهها ابتسامة هادئة لم يفهمها أحد.
ابتسمت إحدى العمات بسخرية وقالت:
"الحمد لله إنك عرفتي غلطك."
اقترب مصطفى من زوجته وهمس:
"خلصي الموضوع بسرعة."
لكن نادية لم تتجه نحو حماتها، ولم تحاول الاعتذار كما توقع الجميع، بل جلست في مكانها، ووضعت علبة الشوكولاتة على الطاولة، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ملفًا مطويًا.
في تلك اللحظة، تغير لون وجه مصطفى.
حاول أن يقترب منها ليأخذ الملف، لكنها سحبته سريعًا وقالت بهدوء:
"خليك مكانك... لأن اللي هيتقال النهارده لازم الكل يسمعه."
نظر الجميع إليها في دهشة.
وقالت الحاجة زينب بنبرة حادة:
"إيه الورق ده؟ وإيه علاقة ده باعتذارك؟"
أخذت نادية نفسًا عميقًا، ثم قالت:
"أنا فعلًا جاية أتكلم قدام العيلة كلها... لكن قبل ما حد يحكم عليا، لازم يعرف الحقيقة."
فتحت الملف وبدأت تقرأ.
"عقد زواج عرفي بين الطرف الأول مصطفى... والطرف الثاني سماح..."
لم تكمل الجملة حتى خيم الصمت على المكان.
تبادلت الخالات النظرات، بينما حدقت الحاجة زينب في ابنها غير مصدقة.
قالت بصوت مرتجف:
"الكلام ده صحيح؟"
خفض مصطفى رأسه ولم يجد ما يقوله.
أعادت السؤال مرة أخرى، لكنه ظل صامتًا.
حينها أدرك الجميع أن ما في الورقة ليس مجرد اتهام.
وأضافت نادية:
"وده مش كل شيء."
وأخرجت مجموعة من المستندات الأخرى.
كانت تضم أوراقًا تثبت شراء شقة باسم المرأة الأخرى، وتحويلات مالية دفعها مصطفى سرًا، بينما كان يخبر والدته أن أمواله ضاعت وأن ظروفه المادية أصبحت سيئة.
وقفت الحاجة زينب مذهولة.
وقالت وهي تنظر إلى ابنها:
"يعني كل الفلوس اللي كنت بتقول إنها راحت... كانت بتتصرف هناك؟"
لم يجب.
وتحول المجلس الذي خُطط له ليكون جلسة اعتذار إلى جلسة حساب.
بدأت العمات والخالات يوجهن اللوم إلى مصطفى، بعدما كن قبل دقائق يهاجمن نادية.
أما نادية فاكتفت بالنظر إليه في هدوء، ثم قالت:
"أنا ما كنتش السبب في خراب البيت... الحقيقة هي اللي خربته."
اقتربت من الباب، ثم التفتت إليه وقالت:
"المحشي لسه في التلاجة... سخنه لو لسه عندك نفس للأكل."
وغادرت المنزل، بينما بقي مصطفى وسط نظرات الغضب والصدمة.
أيام قلبت الموازين
عادت نادية إلى منزل أسرتها، وأغلقت كل وسيلة تواصل مع مصطفى.
أما هو، فلم تتوقف مشكلاته.
علاقته بوالدته انهارت، والمرأة الأخرى بدأت تطالبه بحقوقها، وأصبح يشعر أنه خسر كل شيء في أيام قليلة.
وبعد ثلاثة أيام، وقف أمام منزل أهل نادية.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه مرهقتين، وفي يده كيس أسود كبير.
فتح والد نادية الباب، فنظر إليه ببرود.
قال مصطفى بصوت متعب:
"أنا مش جاي أطلب منها ترجع... أنا جاي أسلمها حاجة لازم تكون معاها."
خرجت نادية ونظرت إليه دون أن تتحدث.
أنزل الكيس على الأرض، وأخرج منه أجندة قديمة، ثم كيسًا صغيرًا يحتوي على مجموعة من المشغولات الذهبية.
قال بصوت يكاد يختنق:
"أنا خسرت كل حاجة... أمي طردتني، والست التانية رفعت عليا قضايا، ومبقاش عندي غير ضميري."
ثم أشار إلى الأجندة.
"دي كانت مخبية عند أمي من سنين... فيها كل الحسابات الحقيقية للميراث، ووصلات الأمانة الخاصة بخالاتي وعماتي، وكل الفلوس اللي كانت بتقول إنها ضاعت."
ثم وضع كيس الذهب أمام نادية وقال:
"والدهب ده... دهبك إنتِ. أمي أخدته منك يوم الجواز بحجة إنها هتحافظ عليه."
ساد الصمت.
ثم قال مصطفى وهو ينظر إليها:
"الأجندة دي ممكن تقلب الدنيا فوق دماغ الكل... وممكن تدخل أمي في مشاكل كبيرة. القرار في إيدك... يا إما تستخدميها وتاخدي حقك، يا إما تعملي اللي إنتِ شايفاه صح."
نظرت نادية إلى الأجندة، ثم إلى كيس الذهب.
ظلت صامتة لثوانٍ طويلة، وكأنها تستعيد كل ما مرت به منذ زواجها.
وأخيرًا...
ارتسمت على وجهها ابتسامة غامضة، ومدّت يدها ببطء لتلتقط الأجندة...
النهاية.