بوكيه الورد معلّق في الهوا، والزغاريد بتهز حيطان قاعة "الميريلاند"، وفي اللحظة دي بالذات، حست "ياسمين" إن العمر بيتسحب من تحت رجليها في ثانية واحدة.
كانت أضواء النجف الكريستال تلمع على فستان أختها الصغيرة "هناء"، اللي رمت الورد ورا ضهرها بضحكة طالعة من القلب، وسط غابة من الموبايلات المرفوعة والأغاني اللي مقطعة القاعة. وسط كل الصخب ده، كانت ياسمين واقفة في زاوية بعيدة، بفستانها الكحلي الهادئ، بتحاول تصنّع ابتسامة باهتة وميتة على شفايفها.
تحت قماش الفستان الناعم، كانت إيد جوزها "طارق علوان" معصورة على معصمها بقوة جبارة، لدرجة إنها سمعت طقطقة عظامها جوه راسها.
بالنسبة لأي حد من المعازيم، طارق هو "العريس اللقطة"؛ مهندس الديكور المرموق، صاحب الوش السمح والسمعة الذهب في العمل الخيري والأدب اللي بيتحاكى بيه الكل. لكن في الحقيقة، كان صباعه الكبير بيضغط بقسوة متعمدة على نفس الكدمة القديمة اللي سابها على جسمها من تلات أيام.
في وسط الهرجلة، مال عليها وهمس من بين سنانه والابتسامة مرسومة على وشه بدقة: — "ابتسمي يا حبيبتي." ردت بصوت مخنوق: "أنا مبتسمة أهو يا طارق..." — "عينك كانت في عين الويتر وأنا واقف بتكلم." — "كان بيسألني لو محتاجة ماية بس!"
ضاعف الضغطة على معصمها لدرجة الوجع، وقال بنبرة حادة: "طلعتيني عيل وصغرتيني قدام الناس.. اتقلي."
في اللحظة دي، لفت هناء وشها وبصتلهم بفرحة طايرة: "شُفتي مين خد البوكيه؟". هزت ياسمين راسها بسرعة وهي بتبلع وجعها، وفي لمح البصر، ساب طارق إيدها ونقل كف إيده ورا ضهرها؛ حركة تبان لأي حد من بعيد منتهى الحنان والاحترام، لكنها في الحقيقة كانت ضغطة عسكرية بتحدد حركتها وتلجمها.
تلات سنين جواز، كانت كافية عشان تتعلم ياسمين إزاي تخبي الوجع ورا الشياكة والمظاهر. كان دايماً "الهزار على قلة تركيزها وخيبتها" هو المبرر الجاهز اللي بيشرح الكدمات اللي على جسمها، الكدمات اللي مفيش مخلوق في الدنيا كان هيصدق إن "البشمهندس المحترم" هو اللي راسمها.
همست بضعف والوجع بياكل أحشاءها: "عايزة أدخل الحمام." رد وهو باصص في اتجاه تاني: "إنتي لسه داخلة من عشر دقايق!" — "تعبانة.. حاسة إني هترجع."

هنا، لمح طارق طنط ميرفت وهي معدية من جمبهم، فورا الابتسامة المعهودة نورت وشه وقال بنبرة راقية وودودة: "خمس دقايق.. ومتكلميش مخلوق."
خطواتها كانت سريعة ومهرولة، سابت حشد القاعة وخرير الحمام، وهربت من المخرج الجانبي لتواجه جنينة الميريلاند المفتوحة. مطر نوفمبر كان بينزل بغزارة، يجلد وشها بالبرودة اللي محتاجاها لتفوق. بدأت تعد ثواني الحرية.. لكن خلفها، انفتح الباب وقفل بتكة معدنية مرعبة.
"طول عمرك غاوية تكسري فرحتي وتصغريني."
كان طارق واقفاً تحت اللمبة الصفراء المتأرجحة؛ الوش السمح المحبوب اختفى، وحل مكانه قناع مشوه من الغل. قرب منها واندفع يثبتها بقسوة على الحائط الطوبي المبلل. همست برعب: "طارق.. فرح أختي على بعد خطوات مننا!" فحيح صوته كان كفيل بإنهاء أي أمل: "وده مخلاكيش تتلمي وتتسهتني مع الويتر؟"
وفي لمح البصر، هبط على وشها قلمان متتاليان بعنف هز كيانها. اسودت الدنيا في عينيها، ووقعت في الطين. بروقان شديد، عدل طارق ساعته الذهب، وقرفص قدامها يمسك فكها بقسوة: "قدامك عشر دقايق تظبطي القرف ده، وتتحركي على العربية عشان مروحين. ولو نطقتي بكلمة لهناء، هخلي ليلة دخلتها سواد.. إنتي عارفاني."
"مروحين؟".. الكلمة نزلت عليها كحكم إعدام. مروحين يعني بيتهم المعزول في الشيخ زايد، الأبواب المغلقة، والطبنجة الملقاة في الخزنة. عرفت ياسمين إنها لو ركبت العربية دي، مش هتخرج منها عايشة.
سابها طارق ورجع للقاعة بثقة. بأصابع مرتعشة من البرد والخوف، امتدت إيد ياسمين للجيب السحري بفستانها، وسحبت هاتفها المكسور. لم تفكر في البوليس؛ فطارق بذكائه النرجسي قد أقنع الجميع سابقاً بأنها مريضة نفسية تعاني من نوبات هلع. فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على الرقم الوحيد المحفور في ذاكرتها.. رقم "سليم العوّام".
من تلات سنين، سابته لأنها كانت فاكرة إن الشر مرسوم على وشه. سليم، الحوت اللي بتمشي كلمته على كبار السوق في الشحن والمخازن، الراجل اللي ليه هيبة تطأطأ لها السباع.. لكنه عمره ما كدب عليها. كانت تبحث عن "حياة طبيعية"، فاختارت المهندس المحترم اللي بيكسر ضلوعها في الخفاء.
رد من أول رنة. شهقت بدموعها: "سليم.. ينفع تيجي تاخدني؟" صمت الخط لثانية واحدة، قبل أن يأتيا صوت كالجبل الرزين: "إنتي فين؟" "في قاعة الميريلاند.. بره في الجنينة." "ابعدي عن أي قزاز، وخلي الموبايل في إيدك. أنا جايلك."
بعد سبع دقايق بالتمام، انفتح باب الجنينة مجدداً. ظهر طارق وهو يلتفت بعصبية: "ياسمين! اطلعي حالاً وأنا هعديها.. إنتي عارفة حسابك هيبقى إيه!"
فجأة.. اخترقت ستائر المطر أنوار "زينون" قوية عمت الأبصار. تلات عربيات "جيب" سوداء بفاميه كاحل كسرت البوابة الجانبية، واصطفت في خط مستقيم مرعب. هبط منها رجال ببلاطي سوداء، حركتهم سريعة، دقيقة، ومنظمة كجيش سري.
ومن السيارة الأولى.. ترجل سليم العوّام.
ببدلته السوداء الفخمة، ومطره اللي بلل شعره، تخطى طارق كأنه سراب. عيناه لم تلتقط سوى ياسمين. مشي تلات خطوات، وقرفص أمامها، وفرد إيديه: "أنا هنا."
خلع بالطوه الثقيل وحوطه حول كتافها الباردة. في اللحظة دي، فار دم طارق وصرخ: "إنت مين يا جدع إنت؟ وبتعمل إيه مع مراتي؟ وسعي كده!" ومد إيده ليجذبها.
في جزء من الثانية، التفت ذراع سليم اليمين حول ذراع طارق، وكسرها وراء ضهره؛ دوت طقطقة المفصل بوضوح وسط صوت المطر، ليركع طارق في الطين ذليلاً وهو يصرخ: "آآآه! يا أمن! يا ناس يا اللي جوه!"
وقف سليم بكل هيبته، وانحنى حتى صار وجهه في وجه طارق، وقال بنبرة منخفضة تجمد الدماء في العروق: "أنا سليم العوّام يا طارق.. والصوت ده لو طلع تاني، هخلي دكاترة مصر تحتار في تجميع فكك."
خطف لون طارق، وانكمش النرجسي داخله ليتحول إلى فأر مذعور لمجرد سماع الاسم. التفت سليم لياسمين وقال: "امشي قدامي على العربية يا ياسمين.. متخافيش." ثم عاد بنظراته لطارق الرا those الطين: "الفرح لسه مخلصش.. وجوز أختها راجل محترم. هتدخل جوه، تبتسم، وتتصور، وتقول إن ياسمين تعبت وأمها خدتها المستشفى. ورجالتي واقفين وراك بيراقبوا ضحكتك."
ضغط سليم بحذائه على إيد طارق الممرغة في التراب: "وبكرة.. ورقة طلاق ياسمين وتنازل عن فيلا الشيخ زايد يوصلوا مكتبي.. وإلا قضايا النصب وغسيل الأموال اللي شايلها في درج مكتبي بقالها سنتين عشان خاطر ياسمين.. هتروح للنائب العام الصبح. ومفيش "نوبات هلع" في أمن الدولة يا بشمهندس."
تحركت السيارات تخترق شوارع القاهرة الغارقة في المطر. داخل الكابينة الفارهة، لم يلتفت سليم للخلف، لكنه مد إيده بمنديل قماشي ناصع البياض: "امسحي الدم اللي على وشك.. طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق هيلمس شعرة منك تاني."
التقطت ياسمين المنديل، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، شعرت بأن الهواء يجد طريقه لصدرها. الكابوس انتهى.. أو هكذا ظنت.
فرملت السيارات فجأة، لكن المشهد لم يكن قصر سليم في جاردن سيتي، ولا مشفى طبي. وقفت القافلة في منطقة مقطوعة على أطراف طريق السويس، أمام مخزن قديم من الصاج المعتم، تحيط به حراسة مشددة.
ترجل سليم وفتح لها الباب بنفسه، وبص في عينيها بهدوء مخيف: "طارق نفذ اللي قولتله عليه في القاعة ودلوقتي بيضحك في الصور.. بس حُكم "العوّام" غير حُكم المحاكم يا ياسمين. أنا مبرجعش حق حد بالورق بس."

أشار لرجاله، فانفتح باب المخزن الصاج الضخم. كشفت الإضاءة الداخلية عن كرسي حديدي مثبت في المنتصف، وبجواره شاشات عرض عملاقة تبث بثاً مباشراً من داخل فرح أختها هناء؛ تظهر طارق وهو يرتجف ويلتصق بالناس وعيون حرس سليم تحاصره كملك الموت.
التفت سليم إليها، وعيناه الرماديتان تحملان غموضاً يثير الرجفة: "الورق والطلاق ده عشان تخلصي منه قدام الناس.. إنما اللي جوه المخزن ده، هو اللي هيضمن إنه لو فكر يرفع عينه في وشك في حلم، يصحى مرعوب. ادخلي يا ياسمين.. واختاري بنفسك الطريقة اللي هتدفعيه بيها تمن كل قلم وكل كدمة.. من الليلة دي، إنتي اللي بتكتبيلنا القوانين."
نظرت ياسمين لظلمة المخزن، ثم إلى سليم الواقف كالسد المنيع.. واجتاحها خاطر مرعب: أنها لكي تنجو من شيطان، وضعت يدها في يد ملك الموت نفسه. ومع أول خطوة تخطوها داخل المخزن، سألت نفسها: يا ترى حياتها الجديدة مع سليم العوّام.. هتدفع تمنها إيه؟