الخطوة الأولى جوه المخزن الصاج كانت برجليها الاتنين، بس ياسمين حست إن قلبها هو اللي بيترمي في البير.
صوت المطر بره كان بيخبط على السقف الصاج زي طلقات رصاص ورا بعضها. الشاشات الكبيرة كانت منورة المكان، ووش طارق وهو بيضحك ضحكته الصفرا وسط المعازيم في الفرح كان باين بوضوح.. كان باين كمان العرق اللي مغرق جبهته، وعينيه اللي بتلف في الصالة برعب وهي بتلقط رجالة سليم الواقفين زي ضل عزرائيل ورا الكوشة.
سليم دخل وراها، قفل الباب الحديد الكبير بتكة هزت الأرض. مشي بخطوات بطيئة لغاية ما وقف جنب الكرسي الحديد اللي في النص، حط إيده على ضهره وبص لها:
"المكان ده شهد على حيتان في السوق، رجالة بشنبات، لما كانوا بيغلطوا في حق 'العوّام'.. كانوا بيبوسوا الجزم هنا عشان يخرجوا. بس النهاردة، المكان ده بتاعك إنتي.. طارق هيركع هنا قبل ما الفجر يـأذن. قوليلي.. عايزة تكسري فيه إيه الأول؟"
ياسمين كانت بتترعش، مش من الساقعة، البالطو الفرو بتاع سليم كان مدفيها.. بس من فكرة إنها بقت شريكة في لعبة دم. بصت للمنديل اللي في إيدها اللي لسه متبلل بدمها، وبصت لوش سليم الحاد اللي مبيظهرش أي رحمة.
"مش عايزة أشوفه يا سليم،" صفت صوتها بالعافية. "مش عايزة أشوف وشه تاني أبداً. أنا لو شفته، هحس بقرفه في مناخيري. أنا عايزة أمشي.. عايزة أروح لأمي."
سليم قرب منها، عينيه الرمادية لمعت تحت إضاءة المخزن الخافتة. وطي لمستواها وقال بنبرة هادية بس تقطع زي السكينة:
"أنا مبرجعش نص حق يا بنت الأصول. طارق لو مشافش الموت بعينيه الليلة دي، بكره الصبح لما الصدمة تفوقه، نرجسيته هتخليه يدور على طريقة ينتقم بيها منك.. النرجسي مبيفهمش غير لغة واحدة.. القوة المطلقة اللي تخليه يتبول على نفسه من الرعب لمجرد سماع اسمك. لو مش عايزة تحضري.. رجالتي هيقوموا بالواجب، بس لازم تـأشري بصباعك."
ياسمين بلعت ريقها وبصت لشاشة الفرح. فجأة، الكاميرا اللي بتنقل البث المباشر اتهزت.
واحد من رجالة سليم جوه القاعة قرب من طارق وهسّهس في ودنه بكلمتين. طارق وشه اتقلب أزرق، وجسمه كله ساب. الراجل مسكه من دراعه بكل شياكة وكأنه بيبارك له، وخرجه من الباب الجانبي.. نفس الباب اللي ياسمين انضربت جنبه من ساعة.
"هو جاي لهنا؟" ياسمين سألت ونبضات قلبها بقت مسموعة.
"في السكة،" سليم رد وهو بيقعد على طرف ترابيزة خشب ويسحب سيجارة يولعها. "قدامه عشر دقايق ويكون راكع تحت رجليكي."
المواجهة
العشر دقايق عدوا وكأنهم عشر سنين.
الباب الصاج اتفتح بعنف، وتنين من رجالة سليم رموا طارق على الأرض. طارق مكنش المهندس الشيك بتاع أول الليلة؛ جزمتو الغالية ضاعت في الطين، قميصه الأبيض متبهدل، وعينيه كانت بتتحرك في المكان زي الفار المحبوس في مصيدة.
أول ما شاف سليم، زحف على ركبه وهو بيلهث: "سليم بيه.. أبوس إيدك.. أنا عملت كل اللي قولت عليه.. وربنا طلقت ياسمين رسمي، المأذون كتب الورقة جوه الفرح وممضي عليها شهود.. والفيلا.. التنازل جاهز أهو!" طلع ورقة مجعدة من جيبه وإيده بترتعش.
سليم مبصش للورقة، شاور بصابعه لبره: "خدوا الورق."
وبعدين بصل لياسمين اللي كانت واقفة في الضلمة ورا ضهر سليم. طارق لقطها، وبأعلى صوته صرخ: "ياسمين! سامحيني! أنا كنت أعمى.. الشيطان وزني.. إنتي عارفة إني بحبك، والله العظيم بحبك.. متخليهمش يموتوني يا ياسمين!"
ياسمين خطت خطوة لقدام، النور جه على وشها المورم والدم الناشف على شفتها. بصتله بنظرة مفيهاش غضب.. كان فيها قرف نقي.
"إنت مبتحبش حد غير نفسك يا طارق. إنت كنت بتتلذذ وأنا بترجاك تسيبني أتنفس. الموت خسارة فيك.. الموت هيريحك."
التفتت لسليم وقالت بثبات فاجأ سليم نفسه: "أنا مش عايزاه يموت. الموت رحمة للنرجسي عشان بيموت وهو فاكر نفسه ضحية. أنا عايزاه يعيش.. بس يعيش وهو ميت."
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة، ووقف على حيله: "أمرك مطاع. ورقة الطلاق والتنازل معايا. وقضايا أمن الدولة وغسيل الأموال هتتقدم الصبح.. بس هحط التاتش بتاعي عشان أضمن إنه ميفكرش يرفع عينه في وش أي ست تانية."
سليم شاور لرجاله: "امضوا التنازل عن كل أملاكه لشركات الشحن بتاعتي.. خلوه على الحديدة. وبعدين.. سلموه للنيابة بالتقرير الطبي بتاع ياسمين. وعايز توصية خصوصي عليه جوه الحجز.. كل يوم الصبح يفتكروه بـ 'قلمين' زي اللي إداهم لياسمين.. لغاية ما حكم المحكمة يصدر."
طارق بدأ يصرخ ويبكي ويسحب نفسه على الأرض ورجالة سليم بيشدوه لورا، وصوته يختفي بالتدريج ورا الباب الصاج اللي اتقفل تاني.
الثمن الجديد
المخزن رجع هادي تاني، مفيش غير صوت المطر وسليم اللي واقف بيبص لياسمين بنظرات غامضة.
"مبروك يا ياسمين.. طلاقك بقا رسمي، وحقك رجع تالت ومتلت، وطارق انتهى للأبد."
ياسمين خدت نفس طويل، حست إن الجبل اللي كان على صدرها انزاح، بس لسه في غيامة سودا قدامها. بصت لسليم: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا سليم.. إنت أنقذت حياتي. أنا عايزة أروح لأمي دلوقتي."
سليم قرب منها، مسك طرف البالطو اللي على كتافها وظبطه بحنان، بس عينيه الرمادية كانت بتقول كلام تاني خالص. صوته بقى واطي ورزين:
"تروحي لأمك؟ بالوش ده؟ عشان تموت فيها بسكتة قلبية لما تشوف بنتها متبهدلة كدا؟ لأ يا ياسمين.. إنتي هتقعدي في بيتي في جاردن سيتي كام يوم لغاية ما وشك يخف، ورجالتي هيحرسوا بيت أمك وأختك عشان طارق ليه قرايب صيع وممكن يحاولوا يعملوا حركات غبية."
ياسمين حست بـ قشعريرة مش مفهومة. الكلام يبان خوف وحماية، بس الطريقة.. الطريقة تفكرها بحاجة هربت منها.
"سليم.. أنا كويسة، وأقدر أداري وشي بالميك اب.. أنا لازم أروح."
سليم ابتسم، بس الابتسامة مكنتش واصلة لعينيه. رجع خطوة لورا وحط إيديه في جيوبه:
"أنا مباخدش أوامر يا ياسمين.. أنا بندي أوامر بس لحمايتك. العربية واقفة بره، ورشاد هيوصلك الجناح بتاعك. لما تخفي.. نبقى نتكلم في الخطوة الجاية."
ياسمين وقفت مكانها، المطر بره لسه بينزل بغزارة. بصت لسليم العوّام.. الراجل اللي هز سوق التجارة، والراجل اللي لسه مخلص على جوزها في قعدة واحدة. حست لأول مرة إنها مخرجتش من السجن.. هي بس نقلت من زنزانة ضيقة لـ قصر كبير محاوط بالحراس.
مشيت ورا رشاد وركبت العربية السودا، وسليم فضل واقف عند باب المخزن بيراقب العربية وهي بتبعد وسط الضلمة والمطر..
وفي اللحظة اللي العربية خرجت فيها على الطريق السريع، تليفون ياسمين المكسور رن.. الرقم مكنش متسجل، بس لما ردت، سمعت صوت أنفاس متقطعة، وصوت طارق وهو بيهمس برعب من تليفون خطفه من عسكري: "ياسمين.. إلحقي نفسك.. سليم مأنقذكيش عشان بيحبك.. سليم هو اللي وزني عليكِ من تلات سنين عشان أتجوزك وأكسرك، عشان ترجعيلو راكعة.. سليم هو الشيطـ..."
الخط قطع فجأة بصوت ضربة مكتومة وصراخ.. وياسمين بصت لرشاد اللي سايق العربية من المراية، ولقت رشاد بيبص لها وبيتسم بكل برود
حكم العوام ثمن النجاة من الشيطان
الجزء 2 من 2
بالنسبة لأي حد من المعازيم، طارق هو "العريس اللقطة"؛ مهندس الديكور المرموق، صاحب الوش السمح والسمعة الذهب في العمل الخيري والأدب اللي بيتحاكى بيه الكل. لكن في الحقيقة، كان صباعه الكبير بيضغط بقسوة متعمدة على نفس الكدمة القديمة اللي سابها على جسمها من تلات أيام.
التالي