"وأنا في سن الثمانين وافقت أتجوز حب شبابي تحقيقًا لأمنيته الأخيرة.. لكن بعد انتهاء مراسم وداعه، ظهر محاميه أمام باب بيتي وقال جملة قلبت حياتي: «إنتِ وقعتِ في الفخ.»"

البداية.. صدمة على الباب
لم أكن أتخيل يومًا، وأنا في العقد الثامن من عمري، أن أرتدي فستان زفاف مرة أخرى أو أبدأ فصلًا جديدًا من حياتي.
كان توماس أول شخص أحببته في سنوات الدراسة، والحب الوحيد الذي بقي عالقًا في قلبي رغم مرور العمر. لكن الحياة فرقت بيننا مبكرًا؛ أنا غادرت المدينة لاستكمال تعليمي في الخارج، بينما اختار هو البقاء ليبني مستقبله في المكان الذي نشأ فيه. قبل أن نفترق، نظر إليّ بعينين مليئتين بالحزن وقال: "هتسيبيني وتمشي؟" ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخباره تمامًا، ولم أعرف عنه شيئًا لسنوات طويلة.
الصدفة اللي غيرت كل حاجة
قبل عدة أشهر، قررت العودة إلى المدينة التي شهدت أجمل سنوات عمري. كانت الوحدة أصبحت رفيقتي الدائمة، لذلك فكرت في العودة إلى مهنتي القديمة كممرضة داخل المستشفى المحلي، حتى أشغل وقتي وأستعيد شيئًا من الحياة التي أحببتها قبل التقاعد.
وفي أحد الأيام، دخلت غرفة أحد المرضى لأعطيه جرعة العلاج المعتادة. أمسكت بملفه الطبي لأراجع البيانات قبل بدء الإجراءات، لكن ما إن وقعت عيناي على الاسم حتى توقفت في مكاني من شدة المفاجأة... كان الاسم "توماس".
رفعت رأسي ببطء ونظرت إلى المريض، فإذا به هو بالفعل. رغم أن السنين تركت آثارها على ملامحه، فإنني تعرفت إليه من أول نظرة. كانت ابتسامته الهادئة ونظرة عينيه كما عرفتهما قديمًا، وكأن الزمن مر على وجوهنا فقط، بينما بقيت الذكريات كما هي لا يغيرها شيء.

اللحظات الأخيرة.. والطلب الغريب
مع مرور الأيام، بدأت المسافات التي صنعتها السنوات تختفي شيئًا فشيئًا، وعادت بيننا الألفة وكأن الزمن قرر أن يمنحنا فرصة جديدة. كنا نتحدث لساعات طويلة، نستعيد ذكريات المدرسة ونضحك على المواقف القديمة، حتى شعرت أن كل ما فرقنا أصبح مجرد صفحة من الماضي.
وفي أحد الأيام، بينما كان يرقد على سريره داخل المستشفى وقد بدا عليه الإرهاق الشديد، أمسك بيدي برفق، وحدق في عينيّ بابتسامة هادئة، ثم قال بصوت خافت: "أشعر أن رحلتي أوشكت على النهاية... لكن عندي أمنية أخيرة أتمنى ألا ترفضيها، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟"
لم أستطع أن أتمالك دموعي، ولم يكن في قلبي أي سبب يدفعني للرفض. وافقت على طلبه، وتم عقد قراننا داخل المستشفى في أجواء بسيطة، وبين أصوات الأجهزة الطبية التي أحاطت بنا. كانت لحظة مؤثرة اختلط فيها الفرح بالحزن، ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى رحل عن الدنيا، بعدما تحققت آخر أمنية تمناها في حياته.

الكابوس!
بعد انتهاء مراسم الوداع، عدت إلى منزلي وأنا أحمل في قلبي حزنًا لا يوصف. شعرت وكأن القدر انتزع مني توماس للمرة الثانية، ولم أكن أملك سوى الذكريات التي جمعتنا في أيامه الأخيرة.
وبينما كنت أجلس غارقة في صمتي، دوّى جرس الباب. فتحت وأنا لا أتوقع رؤية أحد، فإذا بمحاميه يقف أمامي. لم تكن على وجهه ملامح المواساة كما توقعت، بل كانت تعلوه ابتسامة غامضة أربكتني منذ اللحظة الأولى.
نظر إليّ بثبات وقال: "أبارك لكِ... لكن يبدو أنكِ وقعتِ في فخ لم تكوني تعرفين عنه شيئًا."
تجمدت في مكاني، وشعرت أن الكلمات أثقلت صدري. نظرت إليه بدهشة وقلت بانفعال: "أي فخ؟ ماذا تقصد؟ أرجوك أخبرني بالحقيقة."
ابتسم ابتسامة خفيفة هذه المرة، ثم اختفت ملامح الغموض من وجهه. فتح حقيبته الجلدية وأخرج ملفًا كبيرًا ومعه ظرف مغلق بعناية، ثم جلس بهدوء وأشار إليّ أن أهدأ.
وقال بنبرة جادة: "اطمئني... الأمر ليس كما تظنين. توماس لم يخدعك، بل وضع خطة قانونية محكمة ليضمن حمايتك، لأنه كان يعرف أنكِ لن تقبلي أي مساعدة منه بسهولة، وكان يريد أن يؤمن مستقبلك مهما كان الثمن."
>